ابن كثير

118

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

داود بن علي بن عبد اللّه بن عباس به ، وهكذا رواه ابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة من حديث سليمان بن داود الهاشمي به . ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها . فقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا عفان ، حدثنا حماد عن عطاء بن السائب ، عن الشعبي ، عن ابن مسعود ، قال : إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين ، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أنه ليس منا أحد يريد الدنيا ، حتى أنزل اللّه مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ فلما خالف أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعصوا ما أمروا به ، أفرد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في تسعة : سبعة من الأنصار ، ورجلين من قريش ، وهو عاشرهم صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلما رهقوه قال : « رحم اللّه رجلا ردهم عنا » قال : فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل ، فلما رهقوه أيضا قال : « رحم اللّه رجلا ردهم عنا » فلم يزل يقول ذلك حتى قتل السبعة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لصاحبيه : « ما أنصفنا أصحابنا » فجاء أبو سفيان فقال : اعل هبل : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قولوا : اللّه أعلى وأجل » ، فقالوا : اللّه أعلى وأجل . فقال أبو سفيان ، لنا العزى ولا عزى لكم . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قولوا : اللّه مولانا والكافرون لا مولى لهم » فقال أبو سفيان : يوم بيوم بدر . فيوم علينا ويوم لنا ، يوم نساء ويوم نسر ، حنظلة بحنظلة وفلان بفلان وفلان بفلان . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا سواء : أما قتلانا فأحياء يرزقون ، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون » فقال أبو سفيان ، لقد كان في القوم مثلة ، وإن كان لعن غير ملأ « 2 » منا ، ما أمرت ولا نهيت ، ولا أحببت ولا كرهت ، ولا ساءني ولا سرني ، قال : فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه ، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أكلت شيئا » ؟ قالوا : لا . قال : « ما كان اللّه ليدخل شيئا من حمزة في النار » قال : فوضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : حمزة فصلى عليه ، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه ، فرفع الأنصاري وترك حمزة حتى جيء بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه ، ثم رفع وترك حمزة ، حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة ، تفرد به أحمد أيضا . وقال البخاري « 3 » : حدثنا عبيد اللّه بن موسى عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، قال : لقينا المشركين يومئذ وأجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جيشا من الرماة وأمر عليهم عبد اللّه بن جبير ، وقال « لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا ، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا » فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن ، قد بدت خلاخلهن ، فأخذوا يقولون الغنيمة الغنيمة . فقال عبد اللّه بن جبير : عهد إليّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن لا تبرحوا فأبوا ، فلما أبوا صرف وجوههم فأصيب سبعون قتيلا ، فأشرف أبو سفيان فقال : أفي

--> ( 1 ) مسند أحمد 1 / 463 . ( 2 ) أي عن غير مشاورة . ( 3 ) صحيح البخاري ( مغازي باب 17 )